|
بالتأكيد أن الأردن ليس دولة
إشتراكية ، ولكن من المهم أن تتمتع السياسات الاقتصادية
والتنموية العامة وخاصة التي تتعلق بالخدمات الرئيسية بحس عال من
العدالة الاجتماعية لتأمين الإستقرار الاجتماعي والاقتصادي في
الأردن وحماية البلد من احتقانات اقتصادية قد ترتبط مع الشحن
السياسي الإقليمي أو تستغل من قبل تيارات لا تريد الخير للأردن.
ولهذا فإن انتقاد بعض السياسات التي نرى أنها تؤدي إلى تجاهل
العدالة الاجتماعية ليس من قبيل المناكفة بل حرص على المصلحة
العليا للأردن.
في الأسبوع الماضي كان هناك حدثان ربما لا يكونان مرتبطين في
سياق الأهداف أو وسائل التنفيذ ولكنهما أثارا القلق لأنهما
نموذجان في تنفيذ سياسات حكومية تحقق الفائدة للأثرياء والطبقة
العليا في المجتمع في النتائج الإيجابية وتستهدف الفقراء
والمهمشين في الإجراءات السلبية.
قرار الحكومة بالسماح لرؤساء الوزارات واصحاب المعالي والنواب
السابقين واصحاب الدرجة الخاصة بالحصول على مكتسبات التأمين
الصحي المجاني في المستشفيات الخاصة هو عكس ما تتحدث عنه الحكومة
حول تقديم الخدمة والدعم لمن يستحقها ، ويثير هذا القرار الكثير
من الحسرة والألم حول ماهية الأسباب التي تجعل المتنفذين يحصلون
دائما على إمتيازات لا يحصل عليها المواطن العادي.
القرار الذي قد يعتبر غير دستوري لأنه يتجاوز المادة الأساسية في
الدستور الأردني حول المساواة في الحقوق والواجبات تم تبريره
بأنه يعني "تكريما" لفئة الوزراء والموظفين من الدرجات العليا
الذين خدموا الدولة من خلال عدم جعلهم يواجهون المشاكل والتعطيل
الناجمين عن الإجراءات البيروقراطية والإكتظاظ الشديد في
المستشفيات.
ولكن حتى هذا التبرير لا يعني حصول هذه الفئة على التأمين الصحي
المجاني وبدون دفع حتى نسبة من تكلفة العلاج.
صحيح أن الوزراء والنواب وموظفي الفئات الخاصة قد قدموا الكثير
للدولة ، ولكن الدولة قدمت لهم الكثير ايضا.
هناك إمتيازات الراتب التقاعدي العالي والضمان الاجتماعي
والتأمين الصحي إضافة إلى كل المكتسبات التي حصلوا عليها اثناء
العمل الرسمي مما يعني أن الدولة لم تقصر معهم ولا يوجد سبب
لإعطائهم المزيد من الإمتيازات. وفي المقابل فإن الموظفين
العاديين في القطاع العام خدموا الدولة ايضا وأحيانا بشكل أكبر
من الموظفين الكبار حيث قضوا سنوات طويلة وعديدة ينجزون الأعمال
المطلوبة منهم بكل التزام وبرواتب قليلة ومحدودة لم تتمكن من
مجاراة الإرتفاعات الهائلة في الأجور والزيادة ، ومن المفترض أن
تقدم لهم الدولة ايضا تكريما.
وإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تكرم كل موظفيها بمجانية التأمين
الصحي فعلى الأقل تستخدم مسطرة العدالة والمساواة الدستورية في
التعامل معهم كما تتعامل مع كبار الموظفين وأن لا تؤدي فواتير
علاج كبار الموظفين والوزراء إلى تفريغ خزينة صندوق التأمين
الصحي وتدهور مستويات الرعاية الصحية لبقية الموظفين.
في الواقع من الصعب جدا تبرير مثل هذا القرار الذي سيؤدي إلى غضب
شديد وإحساس بالظلم من قبل الموظفين الصغار واصحاب الرتب
المتوسطة وهذا سوف ينعكس تماما على أدائهم في العمل وبالتالي
تراجع الإنتاجية ، فالمطلوب هو فقط المعاملة المتماثلة مع جميع
موظفي القطاع العام وعدم تقديم إمتيازات جديدة لكبار الموظفين
والوزراء والذين هم أقل الناس حاجة إلى الدعم المالي نظرا
لأوضاعهم الاقتصادية التي تفوق المتوسط في معظم الأحيان.
القرار الثاني .... |